د.أنور محمد الشلتوني
منذ ثلاثة أيام دخلت مسجدا أكرمني الله بأن درّست به أحكام تجويد القرآن
منذ سنين، وقدرا تقدم ليصلي بنا أخ قد درس التجويد معي وكان أداؤه - كما أذكر- من
حيث الأحكام جيدا جدا، لكني فوجئت بصوته في القراءة جميلا جدا هذه المرة، وكان
يؤدي بتمكن واضح، فسرني ذلك سرورا بالغا وخرجت من المسجد بعد الصلاة مغتبطا بنعمة
الله علي، وجال في خاطري سؤال يقول:
إذا كنت أنا تلميذا صغيرا من تلاميذ تلاميذ محمد - صلى الله عليه وسلم- قد
فرحت بتلميذي هذا، فكيف كان شعوره صلى الله عليه وسلم بغراسه - وهو من جاء نا
بالقرآن الكريم - عندما استمع لتلاوة أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه- دون أن
يعلم أبو موسى بذلك فقال له: لو رأيتني وأنا أستمع لقراءتك البارحة لقد أوتيت
مزمارا من مزامير آل داود..!!
فقال أبو موسى -رضي الله عنه-: والله لو علمت أنك تستمع إلي يا رسول الله،
لحبرته لك تحبيرا...!!
أي لزينته وجملته أكثر وأكثر...!!!
فكأنه يقول: لك يا رسول الله...يا من أُنزل عليك القرآن، أهدي آياته على
طبق من ذهب صوتيٍّ هذه المرة...!!!
وأمشي في السوق أحيانا فأستمع إلى أصوات الشيخ السديس أو الشريم أو الحصري
أو المنشاوي أو العفاسي جزاهم الله خيراً، فأقول في نفسي: هنيئا لهؤلاء إن خلصت
أعمالهم، فكم من الأجور حصّلوا بصدحهم بالقرآن في كل مكان وزمان، وكم ذكروا الناس
بربهم سبحانه، فحببوه بعباده وحببوهم به!!!
وكم هو أثر القرآن الكريم حين يخرج من حنجرة عذبة يتجلى صاحبها في أدائه،
ويعطي آيات القرآن الكريم حقها من الرفع والخفض والتطريب والتحزين، فكأنه يفسّر
الآيات بقراءته تفسيراً، حتى لقد سمعت أن بعض غير المسلمين أسلم حين سمع تلاوات
لبعض القراء المتقنين المجيدين..!!!
ولا شك أن للقرآن نفسه جمالا في السبك والسياق والبلاغة؛ فهو كلام الله
العظيم، لكنّ للعبد أثرا في إيصاله لآذان العباد مزينا محببا، تماما كما لكوب
الماء تهديه للظمآن جمال، لكنك تضعه على طبق مزين يزداد في العين بهاء
وجمالاً....!!!
وإذا عرفنا ذلك الأثر البالغ للصوت الجميل بتلاوة آيات الله عز وجل قلا
نعجب من مشي الناس مسافات بعيدة ليستمعوا لتلاوة أصحاب الأداء الصحيح للقرآن مع
الصوت العذب الجميل...
والأحاديث النبوية متضافرة في حثنا على التغني
بالقرآن، وتزيينه بالصوت الجميل، بل وتزيين الصوت به، فنعم المزيَّن والمزيِّن،
ونعم العبد عبد الله، يجلس في بيت من بيوت الله، يتغنى بكلام الله...
افعلها مرة.... واجلس في مسجدك بين المغرب
والعشاء، أو اجلسي في غرفتك وقت المساء، وافتح مصحفك على آيات تتأثر بها، واستحضر
عظمتها وعظمة قائلها في نفسك، وارفع صوتك بها وأطلق له العنان، وثق به كما وثق به
أصحاب الصوت الجميل أول مرة، وكرر ذلك محاولا التغني والخشوع، وستجد نفسك غير
نفسك، وستجد الأداء الجميل قد رقى بك، وانبرت للتأثر بكلام الله كوامن قلبك، فزينت
في نفسك المعاني، وخطت آثارها قشعريرة في روحك وجلدك...
عندها وعندها فحسب.. انتظر دمعة تأتيك بثمرة لم
ولن تذوق بحلاوة مثلها قط...!!!


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق