أنشودة قم وحيدا

الجمعة، 27 يونيو 2008

لما اقتربت من الحبيب..!!







إذا منّ الله عليك بمجاورة سيد المرسلين محمد - صلى الله عليه وسلم- في مسجده النبوي الشريف، وصليت في الروضة المباركة إحدى قطع الجنة، فأنت واحد من السعداء على هذه الأرض...!!
وهذا ما جعلني واحدا منهم في الأيام السعيدة التي مرّت بحمد الله، فقد زرت الحبيب - صلى الله عليه وسلم-...
وقفت أمام قبره الشريف... غمرتني الهيبة من ذلك المقام...!!
تزاحمت في نفسي خواطر..شعرت بها تتسابق من تلك الجنبات الطاهرة... فبأيها أفكر... وأيها أستحضر؟؟!
شعرت أن قدميّ لم تعد تحملاني، حياء من مواضع شرفها الحبيب - صلى الله عليه وسلم- قطْعا، قلت في نفسي: يشك المرء في مصداقية كثير من الأماكن وأنها كانت مسرحا لأحداث ووقائع.. لكنه يقطع بأن هذه البقعة من الأرض قد مشى عليها الحبيب... ووقف بها الحبيب... ونام بها الحبيب وقام بها الحبيب.. والتف حوله بها الأصحاب - صلى الله عليه وسلم- ورضي الله عنهم أجمعين...!
جلست على تلك القطعة المرتفعة من المسجد حيث كان يجلس أهل الصفة الذين اشتغلوا بالعلم والجهاد - رضي الله عنهم- .. ، فنظرت من حولي فإذا بأحد المسلمين يصلي ركعتين فقلت لنفسي: هذا تعلم الصلاة من صاحب هذا القبر، ثم قام أحدهم يسقي ضيوف الرحمن فقلت: وهذا تعلم كريم الخلق من صاحب هذا القبر.. شرب الناس باليمين فقلت: وهؤلاء تعلموا أدب الشرب من صاحب هذا القبر.. أذّن المؤذن للصلاة كما علمه صاحب هذا القبر، قام إمامنا مصليا بنا يتلو قرآنا أنزل على صاحب هذا القبر، وإذ به يقرأ (وقال الذين كفروا إنْ هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاءوا ظلما وزورا، وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا) فإذا بها تتحدث عن اتهام السفهاء لصاحب هذا القبر.. المعصوم - صلى الله عليه وسلم-...
فالله الله يا صاحب هذا القبر...صلى عليك الله كم نوّرت حياتنا.. وكم كسوتها من الأثواب الحسان ما جعلنا نفخر بها في العالمين..!!
وعندها استشعرت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- نائم في قبره الشريف على شقه الأيمن الشريف متوسدا كفه الأيمن الشريف، مسرور بهذه الملايين التي تزوره على مدار اللحظات.. تسلم عليه.. وتسأل الله أن يجزيه خيرا على ما قدمه، وتسأل الله أن يحشرها معه...!
مسرور هو - صلى الله عليه وسلم- سرور من أنجز مهمته ثم نام، ولقد أنجز - صلى الله عليه وسلم- أعظم مهمة حمّله إياها رب الوجود وبارئ الأكوان – سبحانه-، ثم نام هو وصاحبيه الشيخين الوزيرين الأقربين قريري الأعين.. مرتاحي البال...
شعرت عند ذلك بعظم تلك الأمانة التي نحملها اليوم كما حملها أصحابه البررة والذين اصطفوا حوله في البقيع.. تشرفوا بقربه.. ونالوا دعواته سائر الليالي والأيام...!!
أثّر فيّ مشهد لا أزال أذكره.. رجل كبير في السن يسير بجانبي في جنازة رجلين من أهل المدينة قد سارت إلى البقيع وهو يبكي ويردد: هنيئا لهم الجوار.. هنيئا لهم الجوار... هنيئا لهم الجوار...!!
بحقّ تاقت روحي أن تصطف هناك بين الأرواح، قلت: واجب على كل محب فينا أن يسأل الله أن يدفن في البقيع ليهنأ بذلك القرب وذلك الجوار...!
كم هو وفاء الحبيب - صلى الله عليه وسلم- حين ترك بلده التي ولد فيها ونشأ، ليدفن بجوار أصحابه الذين آووه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه...وأنا أريد أن أترك بلدي وأدفن مع من آواني ونصرني ورفعني...!!
وجدتني هناك أردد: والله لا يلامون.. والله لا يلامون...!!
لا يلام رفقاء الحبيب - صلى الله عليه وسلم- حين فجعوا بفقدهم لرسول الله.. فلقد كان بين ظهرانيهم.. يرونه.. يصافحونه.. يلحظون ابتساماته.. ينتظرون بشوق ردّه على كل حركة تقع وأمر يصنع.. وينعمون بجمال أخلاقه وكريم هديه..!!
لا يلام من دعا بفقد بصره لئلا يرى بعده أحدا..!!
أو من سأل الله مفارقة الحياة.. لأن روحه فقدت روحها بفقده..!!
لا يلام ابن الخطاب - رضي الله عنه- حينما نُسّي آية من آيات الكتاب.. ذهل بالخبر عنها كأنه لم يسمعها من قبل.. ولا يلام بلال المؤذن - رضي الله عنه - في مغالبته للأذان حتى لم يستطعه..!!
لله درها من مشاهد.. قلت في نفسي للحظة: لو رآها أعداؤه - صلى الله عليه وسلم- وحسّاده؟؟ لما وسعهم إلا اتباعه.. لما يقع في نفوسهم من الإجلال والهيبة، لكنه اصطفاء الله للأضياف والزائرين...!!
بٍأبي أنت وأمي يا رسول الله.. طبت حيا وميتا... زرتك اليوم في الدنيا...والله أسأل أن يجمعنا بك في الأخرة.. آمين آمين...

الجمعة، 6 يونيو 2008

هل تحفز نفسك..؟!!!



أعجب من نفسي –أحيانا- كيف تحاور نفسها فتمنيها وتسليها..؟!!
وهي في ذلك تصنع بها معروفا، تصبرها على الشدائد، وتدفعها إلى المعالي، وتنأى بها عن ضجر الحال واستطالة الطريق...!!
وأظن نفسك في ذلك مثل نفسي..!!
فتراني أعزي نفسي بالشوط الذي قطعته من أي عمل، لأتقوى بذلك على إتمام الشوط الثاني... فإذا ابتليت بتصحيح أوراق الطلاب الكثيرة –مثلا- رأيتني –كلما مللت- عددت الأوراق المصححة فأنظر كم قطعت منها ليهون علي ما بقي..!
وأذكر إذ كنا صغارا كم كنا نفرح بتجاوز نصف شهر رمضان ونضع - كما يقولون- (من كفة لكفة) فكل يوم يأتي يزيد كفة السابق ويقلل الباقي، وهكذا في ساعات نهار رمضان، وفي ركعات صلاة التراويح المتعددة، وأرجو ألا نكون ممن يفعله حتى الآن، ولكن إن حصل.. فالنفس فيه معذورة لكنها بوسيلة أخرى للتحفيز مأمورة...!!
وكم كنت أستمتع وأنا أتحدى نفسي بإنجاز دراسة عدد معين من صفحات كتاب الامتحان في وقت محدد كساعتين مثلا، وأفرح عندما أشعر أنني أنجزتها كما توقعت وبذلك أدفع نفسي لمزيد من الجد...!
كثيرا ما ترى من يمارسون الأعمال الشاقة- وربما غير الشاقة- يسألون: كم الساعة؟ فإذا علموها تجاوزت نصف الوقت حفزوا أنفسهم على الصبر لقلة ما بقي منه.... ولذا تكون فرحة الموظفين والعاملين والطلبة عموما عارمة يوم الخميس، وتجد الكل يعمل بنفسية مرتاحة لأنهم يمنون أنفسهم باستراحة يومي الجمعة والسبت – كما هو عندنا-، وهكذا الحال إذا اقتربت إجازة الصيف..
ولكن بعض كسالى الموظفين يتحفزون كثيرا لدرجة أنهم يذهبون لعملهم يوم الخميس وقد حفظوا جملة واحدة هي: (الأحد إن شاء الله..)..!!
كنا وما زلنا نربط أنفسنا بالأمر المبهج لأنفسنا فننتظره - وإن زعمنا أمام أولادنا أحيانا بعدم الاكتراث- كزيارة أو رحلة أو أكلة شهية أو ما شابه فالنفس تحب التحفيز والتشويق، ولو كان هدية ثمنها عشرة قروش لرجل بلغ من الكبر عتيا...!!
كثير من الحكم والأقوال نحبها ونحفظها لأنها تدفعنا للصبر والأمل، فمثلا: (كل آت قريب)، (ولا بد لليل أن ينجلي)، (دوام الحال من المحال)، وما أجمل الحكمة القرآنية (فإن مع العسر يسرا، إن مع العسر يسرا، فإذا فرغت فانصب، وإلى ربك فارغب).
وهذه المحفزات في الحقيقة هي (رسائل إيجابية) يبعثها كل منا لنفسه، يتقوى بها ويزيد من همته، وهي من الأهمية بمكان بحيث إن فاقدها يكل ويمل، بل ربما انقطع عن العمل لا سيما إذا كانت رسائله من النوع المخالف تماما..!!
ولذا تأتي المحفزات في المشاريع الناجحة للمبدعين والمتسابقين والمنجزين، تحث كلا منهم على الإسراع في تحصيل ما تحبه نفسه وترنو إليه...!!
وأعظم تلك المحفزات (الجنة)..!!
فكتاب ربنا - سبحانه- وسنة نبينا –صلى الله عليه وسلم- مليئان بترغيب العباد برضى الله والجنة... (سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة...)، (من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة).. وهاهو النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: (من يأتيني بخبر القوم وأضمن له الجنة).. وقد كان الصحابة رضي الله عنهم صادقين بذلك مع أنفسهم لما طلب منهم الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن يبايعوه على الإسلام والطاعة والنفقة والحماية له ولدينه قالوا: فما لنا إن وفينا بذلك؟ّّ قال: (الجنة)!! فقالوا: ابسط يدك نبايعك يا رسول الله...!! فالله الله ...!!
كيف يعمل العامل وهو ينظر بعين لعمله وعينه الأخرى من بعيد ترمق الجنة..!!!
من أجلها يصبر الصابرون، ويعمل العاملون، ويتوضأ المرء بالماء البارد ويقوم للصلاة، ويقدم الشهداء أرواحهم، كما فعل عمير بن الحمام - رضي الله عنه - لما ألقى التمرات ودخل المعركة ليدخل بنفسه الجنة، فقد أرسل لنفسه تلك الرسالة العظيمة: ما بينك وبين أن تدخل الجنة إلا هذه التمرات...!!
وأجمل ما في تحفيز المرء لنفسه أن يجعلها تنظر إلى ما لا تراه النفوس المتثاقلة...فهذا ابن تيمية –عليه رحمة الله- يقول: (ماذا يفعل أعدائي بي؟!! إن سجني خلوة، ونفيي سياحة، وقتلي شهادة .. إن جنتي في قلبي، وبستاني في صدري، أينما أتوجه يظلان معي) نعم.. هكذا تكون تربية النفس وإلا فلا...!!
وهذا أبو إدريس الخولاني –رحمه الله- كلما رأى من نفسه كسلا عن قيام الليل يخاطبها.. (قومي...!! أحَسِبَ أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم أن يستأثروا به دوننا-؟؟؟!! والله لنزاحمنهم عليه حتى يعلموا أنهم خلفوا وراءهم رجالا.!!) وأنا أشهد أنهم كانوا رجالا.. ونحن على خطاهم رجال بإذن الله...
وبعد هذه السطور هل تسلمون لي بأن حوارا تحفيزيا من هذا النوع يدور بينكم وبين أنفسكم كل يوم؟؟ لا أعلمه.. وأنتم تعلمونه....!!

أهلا وسهلا بالضيوف الأعزاء

أهلا وسهلا بالضيوف الأعزاء